الأمراض النفسجسمية

 








 " هناك إرتباط وثيق بين النفس و الجسد ، كل منهما يؤثر في الآخر في الصحة و المرض
 اضطرابات النفس تؤثر في الجسد و اضطرابات الجسد تؤثر في النفس "

هذه حقيقة هامة من الضروري أن تكون واضحة للجميع لأن الكثير يرفض تقبل 
هذه الحقيقة العلمية فمثلاً : المريض الذي يعاني من قرحة المعدة و ينصحه طبيبه الباطني بزيارة
 الطبيب النفسي ، يرفض هذه النصيحة بغضب حيث لا يرى أي علاقة بين قرحة المعدة و حالته النفسية
 بل يرى أن حالته النفسية طيبة على عكس ما يعتقد طبيبه ، و كذلك الحال مع مريض ضغط الدم
 المرتفع و مريض الذبحة الصدرية و مريض الربو الشعبي .

هناك أمراض عضوية أسبابها نفسية أو يلعب العامل النفسي الدور الحاسم في ظهور المرض 
 إنه القلق المستمر ، القلق المزمن ، القلق الحاد الشديد ، الإنفعال الدائم ، الضغوط التي لا تنتهي 
وأحداث الحياة المؤسفة أي الكوارث التي تحط على الإنسان و الإحباط و الفشل ، التعرض للتهديد
 المستمر كل هذه الأشياء ترهق النفس ثم ترهق الجسد إلى حد المرض و ظهور علامات مرضية 
يشكوها المريض ، و فعلاً يكون من الصعب أن تتصور أن هذا المرض العضوي سببه نفسي
فما هي العلاقة ؟ و كيف يحدث ذلك ؟

هناك جزء في المخ يعرف بإسم الهيبوثلاموس - Hypothalamus و هو جزء هام جداً 
حيث يتحكم في نشاط جميع الغدد الصماء ، و كذلك يتحكم في الجهاز العصبي اللاإرادي 
الذي يغذي كل الأحشاء الداخلية و القلب و الشرايين و الجهاز التنفسي ...

و الهيبوثلاموس هو جزء من دائرة تتكون من عدة أجزاء من المخ تسمى
الجهاز الطرفي - Limbic System و هذا الجهاز يمثل النفس البشرية فالنفس ممثلة في
 هذا الجهاز أو هذا الجهاز يكون محتويات النفس من تفكير و إدراك و انفعال وسلوك ...

و الهيبوثلاموس جهاز استقبال و إرسال ، يستقبل الشحنات الإنفعالية من النفس ( الجهاز الطرفي )
 ثم يرسلها إلى أجهزة الجسم المختلفة لتعبر عن الحالة الإنفعالية ، بمعنى أن أجهزة الجسم 
المختلفة تتحرك بشكل معين يتواءم مع الحالة الإنفعالية ففي حالة القلق و التحفز مثلاً يسرع القلب
 و تزداد ضرباته قوة لتدفع بمزيد من الدم إلى الأوعية الدموية المغذية للعضلات و تتسع هذه 
الأوعية الدموية لتستوعب دماً أكثر و ذلك على حساب انقباض الأوعية الدموية المغذية للجلد
 والجهاز الهضمي ، كما تتسع الشعب الهوائية للرئة لتتيح لأكبر قدر من الدم أن يتشبع بالأكسجين 
 وهكذا نرى تغيرات تحذث في الجسد تتلاءم مع الحالة الإنفعالية و هذه التغيرات تحدث بفعل
 نشاط الجهاز العصبي اللاإرادي ...

القلق المستمر مثلاً يصاحبه ارتفاع في ضغط الدم و يصاحبه أيضاً زيادة في إفراز الحامض
 المعدي الذي قد يتسبب في حدوث القرحة .

حتى جهاز المناعة يتأثر بالحالة النفسية فمع الإنفعال الحاد أو القلق المزمن تضعف مقاومة
 الجسم ويصبح عرضة للأمراض الميكروبية و الفيروسية .

و الأزمات الصحية المفاجئة مثل جلطة شرايين القلب أو شرايين المخ تحدث في الغالب عقب انفعال حاد
هذا الإنفعال يؤدي إلى زيادة كمية الأدرينالين في الدم ، و الأدرينالين يساعد على تجمع الصفائح
 الدموية و التي تتلاصق و تكون الجلطة التي تسد الشرايين .

و أيضاً الإنفعال الحاد يؤدي إلى ظهور مرض السكر الكامن أو تسمم الغدة الدرقية وقد يصاحبه
 التهاب كل الجلد أو عضه في صورة ارتيكاريا .

و كذلك القلق المزمن يصاحبه أمراض جلدية مزمنة و يؤدي إلى سقوط الشعر في أماكن محددة
 من الرأس أو من كل الرأس .

و مرض الروماتويد الذي يصيب المفاصل له علاقة بالحالة النفسية ، وكذلك القولون العصبي و قرح القولون .

و الربو الشعبي هو غضب مكتوم ، و الصداع النصفي و يصفه من يعانيه بالمطارق التي تدق 
رأسه و يشمل نصف الدماغ أو كله و يبدأ عادة خلف العين على جانب الدماغ ثم تتسع دائرته
 ليتشمل العين و الأنف و الرأس و قد ينتشر على الجانب الآخر .

- لا ترفضوا نصيحة الطبيب العضوي الذي قد يقترح زيارة الطبيب النفسي .

- قاوموا رفض المريض و ادفعوه إلى فحص الحالة النفسية لتحديد علاقتها بظهور المرض العضوي .

- ناقشوا الطبيب النفسي بصراحة نوعية الضغوط و الصراعات التي يعايشها المريض .

- في معظم الأحوال لا يعترف المريض بأنه يعاني ضغوطاً أو صراعات .

و نجاح العلاج يتوقف على الطبيب العضوي الواعي المقدر لدور العامل النفسي و حجمه الحقيقي 
والذي يبدأ هو بمساعدة مريضه من الناحية النفسية ، يتركه يتكلم ويعبر عن مشاغله ومشاعره
 وهمومه وتدريجياً يقتنع المريض أنه يحتاج لمساعدة نفسية على مستوى أكثر تخصصاً 
وخطة العلاج يجب أن يشترك فيها الطبيب العضوي و الطبيب النفسي معاً .


**********


- و مثلما تؤدي الإضطرابات النفسية إلى ظهور أمراض عضوية فإن الأمراض العضوية تؤدي
 إلى ظهور أعراض نفسية و عقلية و هو ما يعرف بالأمراض العقلية العضوية .

و أهم الأمراض العضوية تلك التي تظهر في المخ أو تؤثر عليه مثل : أورام المخ ، تصلب شرايين المخ 
الحمى المخية ، الصرع ، الإدمان الكحولي و العتة ( اضمحلال خلايا المخ ) ، ارتجاج المخ بعد
 الخبطات الدماغية ( إصابات الحوادث ) ، زهري الجهاز العصبي و الشلل الإهتزازي
 والتصلب المتناثر - كلها أمراض تصيب المخ و تظهر أعراض و علامات تشير إلى إصابة المخ 
ولكن ربما قبل ظهور هذه العلامات تظهر الأعراض العقلية في صورة هلاوس أو معتقدات خاطئة 
أو اضطراب في السلوك أو اكتئاب أو هوس ، و مما يساعد على التشخيص وجود درجة من تشوش 
الوعي و فقدان الذاكرة و هي أعراض لا يمكن وجودها في الأمراض العقلية الوظيفية .

 - و هناك أيضاً أمراض الغدد الصماء و الكبد و الكلى و الرئة و القلب و الدم ...الخ 
و على رأس القائمة الغدد الصماء فزيادة هرمون الثيروكسين من الغدة الدرقية يؤدي إلى حالة من 
القلق النفسي و نقص هذا الهرمون كما في مرض المكسيديما يؤدي إلى ظهور أعراض
 الإكتئاب و الشعور بالإضطهاد .

- و كذلك الغدة فوق الكلوية ( الكظرية ) التي يفرز قلبها الكورتيزون و تفرز قشرتها 
الأدرينالين والنورأدرينالين ، والمعروف أن الكورتيزون يلعب دوراً هاماً في التأثير على الحالة
 المزاجية فارتفاعه يسبب الإكتئاب و المريض الذي يعالج بالكورتيزون لأي سبب نفسي يكون
 عرضه للإصابة بالإكتئاب أما نقصه فيصيب الإنسان بالضعف والوهن وسرعة الإعياء واعتلال المزاج .

- والفشل الكبدي و الفشل الكلوي يصاحبهما أعراض عقلية واضحة و لكنها تكون مصحوبة
 بدرجة عالية من تشوش الوعي ووجود الهلاوس والشعور الشديد بالخوف وتوقع الإيذاء من الآخرين .

- والتعرض بالتسمم بأول أكسيد الكربون يترك آثاره المدمرة على المخ و يصيب المريض
 بتدهور في قدراته الذكائية و قد يصاحبه أعراض عقلية واضحة .

- لدينا مثلاً مريض يتصور أن جزءاً من جسده مشوه والإضطراب هنا في الإدراك أو التفكير أي أن 
كل شيء فيه طبيعي من الناحية الشكلية و لكنه هو وحده من يرى هذا التشويه ، هذا المريض
 يتعذب و تظل مشكلة حياته هي شكله و هو لا يقتنع أنه مريض نفسي أو عقلي و لذا يرفض 
العلاج أو يوهم الأهل و الطبيب أنه يتناوله و العلاج مزيج من العقاقير و العلاج النفسي 
والأمر يحتاج إلى وقت حتى تزول الفكرة تماماً و تبتعد عن رأسه ويدرك نفسه إدراكاً صحيحاً سليماً .

- و بعض الحالات تكون أكثر بساطة كأن يرفض الشاب نحافته أو يرفض سمنته ، وقد يتصور البعض
 أن هذا الأمر طبيعي لأن كثيراً من الناس ترغب في زيادة الوزن لنحافتها وآخرين يريدون خفض 
وزنهم لسمنتهم و فعلاً هذا أمر طبيعي إلا إذا كان موضوع الوزن و حجم الجسم يشغل تفكير الإنسان
 طوال الوقت و يكف عن العمل و عن الدراسة بل و عن الحياة إلا إذا تغير وزنه ، أو يرفض 
الخروج من البيت لعدة شهور حتى يصل إلى الوزن الذي يراه هو ملائماً له .

و قد يأخذ الأمر أبعاداً أخطر حين يأتي شاب في العشرين أو أكثر و يطالب بعلاج لطول قامته 
أو قصرها وهذه الأعراض عادة مايكون وراءها مرض عقلي يحتاج إلى علاج حاسم و المشكلة
 أن الأسرة قد تتصور أن الموضوع غير مرتبط بحالة نفسية أو عقلية و إنما هو أمر مرتبط 
برغبته في تغيير شكله أو وزنه أو طوله و بذلك هو شاب سطحي لا يهتم إلا بمظهره ولكن الحقيقة
 التي أود للجميع أن يدركوها هي أن التصور الخاطئ لإضطراب شكل الجسم هو حالة مرضية لها
 أسبابها النفسية و العقلية و تحتاج للعلاج و أن الأمر ليس دلعاً أو استهتاراً أو سطحية ...

و مرض فقدان الشهية العصبي و هو أكثر شيوعاً بين الفتيات ، فهذه الفتاة ترفض الطعام حتى
 لا يزيد وزنها فهي ترى نفسها سمينة و أن وزنها زائد عن الحدود الطبيعية و أن ذلك يجعلها
 تبدو مشوهة و قبيحة ، و من يرى هذه الفتاة يجد أنها نحيلة و لكن هكذا هي ترى نفسها فإذا 
أعطينا هذه الفتاة ورقة و قلماً لترسم جسمها في صورته الحالية فسوف  ترسم جسماً أكبر من 
حجمها الحقيقي و هذا يكشف عن اضطراب رؤيتها لجسمها ، و يصاحب هذه الحالة انقطاع
 الدورة الشهرية و ظهور الشعر في أماكن غير معتادة من جسم المرأة ، ونفس هذه الفتاة 
تنتابها نوبات تلتهم فيها كميات كبيرة من الطعام و بسرعة فائقة و في وقت قصير وبعد ذلك
 تحاول أن تتقيأ ما التهمته .

العلاج في البداية لا يتجه نحو دفع الفتاة للأكل بغرض زيادة وزنها
 وإنما يستهدف أفكار وإدراك هذه الفتاة .

- و هناك مرض آخر و هو هوس شد الشعر فالفتاة تعبث في شعرها و تشده شعرة
 شعرة حتى تنتزع الجزء الأكبر منه و تبدو و كأنما أصابها الصلع أي إيذاء الذات .

كلما سيطر عليها القلق و تورت مدت أصابعها لا شعورياً وبدون وعي إلى شعرها لتشده وتنتبه
 إلى ما تفعل أو ينبهها أحد ولكنها لا تستطيع مقاومة الرغبة الجامحة في الإستمرار
 والعلاج طويل المدى ويحتاج إلى تفهم وفهم ومساندة و تعاطف الأسرة وأن تتولى دوراً علاجياً
 إذا استدعى الأمر وذلك حسب توجيهات الطبيب .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ملخص رواية قواعد جارتين + دقات الشامو

الأربعة الكبار

اضطراب الشخصية التجنبية