الصرع
❍ الصرع من الإضطرابات التي يمكن تحقيق أكبر قدر من الوقاية منها في مراحل العمر
المبكرة كما يمكن علاجه بسهولة والقضاء عليه إذا كان الناس يعرفون أسبابه وأعراضه
المبكرة وإسلوب علاجه .
❍ وهو مرض يختلف عن كل الأمراض ، فهو مرض متقطع أي يأتي في صورة نوبات والنوبة
تستغرق ثواني أو دقائق و بعدها يعود المريض إلى حالته الطبيعية تماماً و يظل سليماً معافى
أياماً أو أسابيع أو شهوراً حتى تعاوده نوبة أخرى تستغرق ثواني أو دقائق ثم يعود إلى حالته
الطبيعية و هكذا ، وبالكشف على المريض وفحصه نجده سليماً خالياً من أي اضطراب عضوي .
❍ إذن الصرع هو حالة أو اضطراب مؤقت ، خلل مؤقت في وظيفة معينة ثم يعود كل شيء
إلى حالته المعتادة ، والنوبة تأتي فجأة ثم تزول تلقائياً دون أي تدخل طبي ، أي لا علاج أثناء النوبة
وأقرب تشبيه لذلك مع الفارق ولكن لتقريب الصورة ( عندما يتوقف جهاز التلفزيون عن العمل
لمدة دقيقة أو دقيقتين بسبب عطل في الإرسال ثم يعود بعد ذلك للعمل دون تدخل منا )
فالمشكلة لم تكن في جهاز التلفزيون وإنما كانت في الإرسال المركزي أو التيار الكهربائي شيء
كهذا يحدث في حالة النوبات الصرعية ، مشكلة ما تصيب المسار الكهربائي في المخ ، عطل مفاجئ
فيتوقف المخ مؤقتاً عن الإدراك و الإتصال بالعالم الخارجي ، أي يحدث تشوش في الوعي
أو غيبوبة ويستغرق الأمر ثواني أو دقائق معدودة يعود بعدها المسار الكهربائي إلى حالته السوية
فيفيق المريض تلقائياً ويسترد وعيه وينسى كل شيء مر به أثناء النوبة وكأن شيئاً لم يحدث
ويكمل الإنسان مشوار حياته بصورة طبيعية إلى أن تفاجئه نوبة اخرى ، إذن الإزعاج أو المعاناة
لا تحدث إلا أثناء النوبة فقط ..
إذن العلاج يوجه إلى منع حدوث النوبات .
💥 و لنوضح الأمر أكثر :
يصدر عن المخ نشاط كهربي يمكن رصده عن طريق رسام المخ الكهربي أي يمكن أن نتصور
المخ كمولد كهربائي ، و الكهرباء تصدر عن كل خلية و تنتقل من كل خلية إلى أخرى
في مسارات تماماً كالأسلاك التي تمشي فيها الكهرباء ، و جميع الخلايا تعمل بانسجام تام
مع بعضها البعض كشبكة وحدة لا يشذ فيها جزء عن الآخر ، و الكهرباء المنبعثة لها فولت
واحد وثابت والأوامر التي تصدر من المخ إلى الجسم تكون في صورة إشارات كهربائية تتحرك
في المسارات العصبية حتى تصل إلى العضلات لتتحرك .
❍ الصرع هو اضطراب مؤقت في كهرباء المخ بعض الخلايا أو بعض أماكن في المخ تشذ عن
بقية الخلايا و تصدر كهرباء ذات فولت عالٍ يختلف عن النظام الكهربائي للمخ كله فيضطرب
النظام الكهربي للمخ كله لمدة ثوانٍ أو دقائق يستعيد بعدها المخ نشاطه الكهربي السوي ..
❍ قد تصاب بعض الخلايا في مراحل الطفولة المبكرة نتيجة لحمى أصابت المخ أو خبطة على الدماغ
هذه الحمى أو الخبطة تترك أثراً في الخلايا وتكوِّن ما يعرف بإسم البؤرة هذه البؤرة من وقت لآخر
يصدر عنها نشاط كهربي شاذ أي غير سوي أي يختلف عن النشاط الكهربي الذي يصدر
عن بقية أجزاء المخ ، و بعد إنتهاء النوبة تعود البؤرة للعمل بانسجام مع بقية أجزاء المخ .
❍ بعض الأطفال يتعرضون لتشنجات تختلج فيها العضلات بشدة ويفقد فيها الطفل وعيه ويزرق
وجهه ثم يفيق بعد دقائق ، و تعاوده التشنجات من وقت لآخر ، و تعاوده بالذات
إذا ارتفعت درجة حرارته لأي سبب .
❍ و إصابة المخ قد تحدث أثناء ولادة متعسرة ، و قد تحدث حين يقع الطفل على الأرض أو حين
يصاب بحمى تصل غلى المخ و تؤثر على بعض خلاياه ، و ذلك أمر يمكن الكشف عنه بواسطة
رسام المخ الكهربائي الذي يستطيع أن يكشف لنا عن مكان البؤرة و عن الإضطراب الكهربائي
الذي يصدر عنه ، فالموجات الكهربائية الصرعية تختلف عن بقية الموجات الكهربائية السوية
التي تصدر عن باقي أجزاء المخ ، و هذه التشنجات تختفي بالعلاج والوقاية منها إذا
انتبهت الأم لإبنها والوقاية خير من العلاج :
- حماية الطفل من الوقوع .
- تطعيمه ضد الأمراض في الأوقات المحددة لذلك .
- الإنتباه لغذائه و صحته العامة .
- حمايته من الأمراض و خاصة من الحمى .
- سرعة علاجه حتى لا يتأثر المخ .
❍ التشنجات التي تصيب الأطفال يجب علاجها بسرعة وبعناية لأن استمرارها يؤثر على قدرات
الطفل العقلية فمخ الطفل حساس و سريع التأثر و لا يستطيع التأثر و لا يستطيع أن يصمد
أمام التشنجات و خاصة إذا كانت متلاحقة .
❍ أما الصرع الذي يصيب الكبار فقد تكون له نفس الأسباب أي بسبب بؤرة نتيجة لإصابة
محدودة في منطقة معينة من المخ تركت آثارها على مر السنين ثم نشطت فجأة و اصدرت
الشحنات الكهربائية الزائدة و قد يظهر الصرع بدون وجود إصابة سابقة في المخ و بدون
وجود بؤرة و يسمى في هذه الحالة بالصرع الأولي - Primary Epilepsy و غير مفهوم
لماذا يحدث ، أي لماذا يصيب إنسان ما ؟!!
ربما الإستعداد الخاص ؟!
و قد يظهر في سن المراهقة أو الشباب ..
❍ و لكن إذا ظهر الصرع لأول مرة في مرحلة متقدمة من العمر ففي الغالب
يكون من النوع الثانوي - Secondary Epilepsy و كلمة ثانوي معناها أن هناك سبباً
وراء ظهور الحالة الصرعية ، سبب يمكن ان نعثر عليه في المخ و ذلك بفحص المخ فحصاً دقيقاً
عن طريق رسام المخ و بالأشعة المقطعية و الموجات المغناطيسية ، و في هذه الحالة لا نكتفي
بإيقاف النوبات الصرعية و لكن لا بد من علاج السبب الذي أدى إلى ظهور هذه النوبات فالنوبات
هنا مجرد عرض للمرض و ليس المرض ذاته .
❍ أما الصرع الأولي فهو عادة يظهر في سن مبكرة ، و كما قلت ليس له سبب - أي لا توجد
أي إصابة في المخ و يمكن التعرف عليه من مظاهره الإكلينيكية أي من شكل النوبات التي تأتي
للمريض و كذلك من خلال رسام المخ و الصرع الأولي نوعان :
1- النوبات الصرعية الكبرى - Grand Mal Epilepsy
و هذه النوبات قد تأتي فجأة و قد تكون لها مقدمات كالصداع أو القلق أو زغللة العينين أو الغثيان
أو انتفاض العضلات ثم تشنجها و يستمر ذلك دقيقتين على الأكث ثم يسترد وعيه بعد
ربع ساعة مع الشعور بالصداع و التعب .
❍ أثناء حدوث النوبة نستطيع وقاية المريض و ذلك بوضع قطعة قماش أو قطعة مطاط بين أسنانه
ونبعد أي أشياء صلبة تقع في مجال حركة يديه و قدميه و ألا نمسك به أثناء لحظات التشنج بل
نترك التشنجات تأخذ مداها حتى تنتهي لأن الأمر لا يستغرق أكثر من دقيقة ، ثم نطمئن إلى أن
تنفسه انتظم و نتركه في هدوء حتى يعود إلى وعيه .
❍ و يجب ألا نفزع أو نضطرب حين تصيب مريضنا النوبة ، فالأمر بسيط و سرعان ما ينتهي تلقائياً
المهم هو أن نحميه من أي إصابة أثناء اللحظات التي تحدث فيها التشنجات ، والنوبة قد تعاود
المريض مرة كل إسبوع أو مرة كل شهر أو مرة كل شهرين أو مرة كل سنة أو كل عدة سنوات
أي لا يوجد توقيت محدد كما لا يوجد معدل ثابت .
2- النوبات الصرعية الصغرى - Petit Mal Epilepsy
و هي تصيب الأطفال أكثر من الكبار و قد تختفي تماماً بعد سن الرابعة عشرة ، و النوبة تستمر
لثوانٍ يفقد فيها الطفل وعيه دون أن يقع على الأرض ، فقط ترتعش جفونه و يسقط على الأرض
الشيء الذي كان ممسكاً به ثم يعود إلى وعيه و يستانف حديثه أو لعبه و كأن شيئاً لم يحدث
الجالس مع الطفل يستطيع أن يلحظ هذه النوبات لأن الطفل يتوقف فجأة عن الكلام أو القراءة
أو الكتابة لمدة ثوان ثم يفيق و هكذا ، و قد تتكرر النوبة أكثر من مرة في اليوم الواحد .
❍ و هناك نوع معين من الصرع يصيب الكبار و الصغار على حد سواء ويحدث بسبب بؤرة
في مكان خاص بالمخ يسمى الفص الصدغي و هذا النوع يعرف بإسم الصرع النفسي الحركي
أو صرع الفص الصدغي و هذا النوع يبدأ بصفارة بالأذن أو برائحة غريبة يشمها المريض ويعقب
ذلك أعراض نفسية غريبة عليه كأن يشعر و كأنه يحلم أو يشعر بالإستغراب و الدهشة و الغربة
بالنسبة لنفسه و الواقع الذي يعيشه و قد يتحرك بحركة هادفة يقوم فيها بأفعال كاملة ، كأن يلبس
ملابسه و يقود سيارته و لكنه يكون مشوش الوعي و كأنه في حلم أو كأنه منوم مغناطيسياً
أو قد تبدأ النوبة بأحاسيس غريبة في فمه و لسانه و بلعومه و يحرك شفتيه و لسانه وكأنه يلعق
أو يبتلع شيئاً و قد يصاب المريض بعد ذلك بغيبوبة لمدة دقائق أو قد يضطرب بشدة و نادراً
ما يصاب بحالة هياج و تنتهي النوبة أيضاً بعد ربع ساعة على الأكثر و لا يتذكر المريض أي
شيء عن الأحداث التي مرت به أثناء النوبة .
❍ في الصرع الثانوي ليس بالضرورة أن يصاب الإنسان بالتشنجات أو فقدان الوعي
قد يأتي في صورة نوبات نوبات من التنميل و الألم تصيب جزءاً من الجسم أو أحد نصفي
الجسم بالكامل و يستمر ذلك لمدة ثوان دون أن يفقد المريض وعيه ، و كما قلت سابقاً فإن
الأمر يحتاج إلى فحص دقيق لمعرفة السبب الذي أدى إلى ظهور هذه النوبات .
❍ و عموماً فأي حالة صرع سواء أولي أو ثانوي نقوم بفحصها بعناية
فحص الجهاز العصبي وبقية أجزاء الجسم و تصوير المخ و رسمه و بعد ذلك نخطط للعلاج
و هناك مبادئ أساسية يجب أن نحددها بشأن العلاج :
1- هناك عشرات العقاقير التي تعالج الصرع .
2- لكل نوعية من الصرع عقاقير معينة تعالجه و لا تعالج الأنواع الأخرى .
3- نفضل دائماً أن نعطي عقاراً واحداً و بالجرعة الكافية .
4- يجب ألا نتوقع إختفاء النوبات تماماً بمجرد تناول العقار في بداية العلاج
( الأمر قد يحتاج إلى وقت غير قليل حتى يستقر الطبيب على العقار و الجرعة الملائمة).
5- قد يأتي المريض شاكياً من عدم اختفاء الأدوار بالرغم من تعاطيه العلاج ، و بالسؤال الدقيق
نكتشف أن انتظامه في العلاج غير دقيق فقد ينسى إحدى الجرعات اليومية أو ينسى تعاطي
العلاج يوماً كاملاً بسبب سفره أو انشغاله .
( في حالة الصرع يجب الإلتزام الدقيق بتوقيتات العلاج أن تؤخذ في موعدها المحدد و ألا نغفل
حتى بجرعة واحدة ، إغفال جرعة واحدة و لو مرة كل إسبوع قد يكون سبباً
في عدم اختفاء الأدوار نهائياً ) .
6- النكسة الخطيرة تحدث إذا توقف المريض عن العلاج بالكامل و فجأة
( النكسة قد تكون في صورة نوبات متلاحقة في اليوم الواحد دون أن يفيق المريض بينها) .
7- بعض العقاقير المضادة للصرع قد تؤثر على سلامة الجنين في الثلاثة الأشهر
الأولى من الحمل ( هذا أمر غير مؤكد ) .
8- يجب توخي الحذر حين نستبدل عقاراً بآخر ، قد تزيد النوبات في البداية حتى تستقر الحالة .
9- هناك أشياء قد تؤدي إلى حدوث نوبة بالرغم من العلاج مثل :
الإجهاد الشديد و الجوع الذي يؤدي إلى نقص السكر في الدم و الجلوس أمام التلفزيون لساعات
طويلة و عدم النوم و الخمور و التعرض للشمس الحارقة مع العرق الغزير و الإجهادات النفسية
فقد تعاوده النوبة عندما يتعرض لأزمة نفسية .
10- لا علاج للصرع إلا بالعقاقير ، لمدة ثلاث سنوات ، و عقاقير الصرع :
( أ) العقار الأول هو : الفينوباربيتون - Phenobarbitone
و أسماؤه التجارية متعددة تختلف من بلد إلى بلد و أشهر الأسماء :
ليومينال - Luminal ، جاردينال - Gardinal سومناليت- Somnalet
و هو يفيد كثيراً في تشنجات الأطفال و الكبار في حالات النوبات الكبرى .
(ب) العقار الثاني الإيبانوتين .
( ج) العقار الثالث و الشهير هو التجريتول - Tegretol
و هو مفيد في حالات الصرع النفسي الحركي الناشئ عن بؤرة صرعية في الفص الصدغي .
( د) و هناك مجموعة أخرى تفيد في حالات النوبات الصرعية الصغرى و هي :
زارونتين ، ترايدايون ، باراديون .
الصرع حالة لها علاج بإذن الله و نجاح العلاج يعتمد على التشخيص السليم واستعمال الدواء
الملائم بالجرعة الكاملة و الإستمرار عليه دون توقف ، من الضروري أن يرى صاحب المشكلة
نفسه على أنه إنسان طبيعي و أن يراه الناس كذلك .

تعليقات
إرسال تعليق